Page 154 - web
P. 154
مقالات وآراء
الإعلام في مواجهة الجريمة
من نقل الحدث إلى صناعة الوعي
لم تعد مواجهة الجريمة في المجتمعات الحديثة مسؤولية الأجهزة الأمنية أ.د.محمد حوال العتيبي
والرقابية والقضائية وحدها ،بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل
أدوار مختلف مؤسسات المجتمع ،وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والجامعة أستاذ علم النفس الجنائي بجامعة شقراء
والمؤسسات الدينية والاجتماعية ووسائل الإعلام ،وإذا كانت الأجهزة الأمنية
تؤدي دورها في ضبط الجريمة وملاحقة مرتكبيها وتطبيق الأنظمة بحقهم، 154
فإن الإعلام يؤدي دو ًًرا لا يقل أهمية في الوقاية منها ،من خلال بناء الوعي،
وتصحيح المفاهيم ،والتحذير من المخاطر ،وتعزيز ثقافة الالتزام بالأنظمة
والقوانين.
وتزداد أهمية الدور الإعلامي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها
العالم ،والتطور الكبير في وسائل الاتصال والتقنية ،وظهور أنماط جديدة من
الجرائم لم تكن معروفة بالصورة التي نراها اليوم ،فلم تعد الجريمة تقتصر
على صورها التقليدية ،بل أصبحت تشمل جرائم المخدرات والرشوة والفساد
والاحتيال المالي وغسل الأموال والابتزاز الإلكتروني وانتحال الشخصية وسرقة
البيانات وغيرها من الجرائم التي تستفيد من التقنية الحديثة وسرعة انتشار
المعلومات.
ومن هنا فإن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل أخبار الجرائم بعد وقوعها،
وإنما أصبح أحد أهم أدوات الوقاية منها ،فالكلمة الواعية ،والمعلومة
الدقيقة ،والحملة الإعلامية المدروسة ،والرسالة التوعوية التي تصل إلى
المواطن في الوقت المناسب ،يمكن أن تمنع جريمة قبل وقوعها ،وتحمي
شخًًصا من الوقوع ضحية للاحتيال ،وتنقذ شاًًبا من الانزلاق إلى عالم المخدرات،
وتعزز لدى الموظف والمواطن ثقافة رفض الرشوة والفساد ،وتنبه المنشآت
والأفراد إلى مخاطر التعاملات المالية المشبوهة.
وتأتي المخدرات في مقدمة القضايا التي تحتاج إلى حضور إعلامي مستمر
وفاعل ،لما لها من آثار تتجاوز المتعاطي أو المروج إلى الأسرة والمجتمع
والاقتصاد والأمن ،فالمخدرات لا تهدد صحة الإنسان وسلامته النفسية
فحسب ،وإنما قد تكون مدخاًلا إلى سلسلة من الجرائم والسلوكيات الخطرة،
مثل :العنف والسرقة والابتزاز والتفكك الأسري وغيرها ،ولذلك فإن مواجهة

